ابن سبعين

399

رسائل ابن سبعين

فتقول : ولا بد من النار أن يعدم عامرها ، وينتقل إلى أحسن حال ، ويستدرج بالرحمة الخاصة إلى الرحمة العامة ، وربما استعان بذلك ببعض الأحاديث المشهورة ، وقرأ عقيب الاستدلال ، وتفكر في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [ الزمر : 53 ] . وفي قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [ الإسراء : 84 ] . وأطلق إلى القول المؤمن والكافر ، وجعل الرحمة عليهما ، وقال الخير هو الغالب على خلق الكريم الحليم ، ويقول كل ما يفعله من شر وخير إذا اعتبر من حيث الحكمة والفطنة والجبروت حمد ، واستحسن ، وعظم ونسب إلى الخير بموصفه ، والشر فعله ، وجعل الخير في المحل والقصد الأول ، والشر باللواحق ، والمضاف المنفعل ، والقصد الثاني . وقد يكون الخير عن بعض الذوات الروحانية بالقصد الثاني ، والشر بالقصد الأول كما بينه في « بدّ العارف » . ومن نظر إلى العفو وتصفحه ، وأطال الفكرة إلى مضافه ومدلوله ، وتأول معقوله وحقق المراد في الشرعية ، وحصل مقصود الأحكام الشرعية ، ومال مع الإجماع وتدبر صيغة اسمه العفو ، وقرأ : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 116 ] ، وصحيح أن النسخ لا تقع في الأخبار ، أطلق العفو والإحسان بتقييد ، وخلص نفسه من الأشعرية ، ومن بعض الفقهاء ، ومن بعض الصوفية ، وسلم الأمر للحكيم ، وغلب على ظنه عفوه ورحمته وغفرانه ، واعتقد السعادة في أهل القبلة واقعة ، ولم يفصل . ومن نظر إلى المغفرة ، وفكر في اسمه الغفور قسم الناس إلى مؤمن وكافر ، وقال الكافر في النار بإجماع الأمة ، والمؤمن في الجنة بإجماع الأمة ، وقسم غير الطائع إلى فاعل كبيرة ، وإلى فاعل صغيرة ، وقال : فاعل الصغيرة في الجنة بإجماع ، وقسم فاعل الكبيرة إلى تائب وغير تائب ، وقسم التائب إلى تائب قبل موته بمدة طويلة ، وتوبة صادقة وتامة الشروط ، وهو عالم صالح ، وإلى تائب قبل موته قبل أن يغرغر ، ومدته ضيقة لا يسع فيها إلا توبته خاصة ، وإلى تائب قبل موته دون الأول وفوق الثاني ، ثم فكر في آيات الزجر ، وفي الأحاديث التي توافقها ، وفي اختلاف العلماء ، وفي خلاف ابن عباس مع علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما في آية القتل ، وفي ترادف الوعيد فيها وتكراره ، ثم اجتهد من معلوم الرحمة الأولى بمعلوم المغفرة الأخيرة المذكورتين قبل ، وما بينهما ، وتدبر في شرف الإيمان ، وتصفح الآيات التي تتعارض ، والأحاديث التي تختله في متعلقاتها ، وامتحن بشأن التائب والتوبة والتواب بعقله ، وبالقياس وبالإجماع وبالكتاب والسنة ، ثم فكر ونظر